ابن الجوزي

79

صيد الخاطر

الوعظ بالقلب فيذكّره بما ألف ، ويجذبه بما عرف ، فينهض عمال القلب في زوارق عرفانه ، فيحضرون النفس إلى باب المطالبة بالتفريط ، ويؤاخذون الحس بما مضى من العيوب ، فتجري عيون الندم ، وتنعقد عزائم الاستدراك . ولو أن هذه النفس خلت عن المعهودات التي وصفتها ، لتشاغلت بخدمة باريها ، ولو وقعت في سورة حبه ، لاستوحشت عن الكل شغلا بقربه . ولهذا اعتمد الزهاد الخلوات ، وتشاغلوا بقطع المعوقات ، وعلى قدر مجاهدتهم في ذلك نالوا من الخدمة مرادهم ، كما أن الحصاد على مقدار البذر . غير اني تلمحت في هذه الحالة دقيقة : وهي أن النفس لو دامت لها اليقظة لوقعت فيما هو شر من فوت ما فاتها ، وهو العجب بحالها ، والاحتقار لجنسها ، وربما ترقت بقوة علمها وعرفانها ، إلى دعوى : « لي ، وعندي ، وأستحق » ، فتركها في حومة ذنوبها تتخبط ، فإذا وقفت على الشاطئ وقامت بحق ذلة العبودية أولى لها . هذا حكم الغالب من الخلق ، ولذلك شغلوا عن هذا المقام . فمن بذر فصلح له فلا بد له من هفوة يراقبها عين الخوف من عقابها رفقا بها ، تصح له عبوديته ، وتسلم له عبادته ، وإلى هذا المعنى أشار الحديث الصحيح : « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم » . 34 - في المال تفكرت فرأيت أن حفظ المال من المتعين ، وما يسميه جهلة المتزهدين توكلا من إخراج ما في اليد ليس بالمشروع . فان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لكعب بن مالك : « أمسك عليك بعض مالك » ، أو كما قال له . وقال لسعد : « لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس » . فإن اعترض جاهل فقال : فقد جاء أبو بكر رضي اللّه عنه بكل ماله . فالجواب : أن أبا بكر صاحب معاش وتجارة ، فإذا أخرج الكل أمكنه أن يستدين عليه فيتعيش . فمن كان على هذه الصفة لا أذم اخراجه لماله ، وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله وليس من أرباب المعايش أو يكون من أولئك إلا أنه ينقطع عن المعاش فيبقى كلّا على الناس ، يستعطيهم ويعتقد أنه على الفتوح ، وقلبه متعلق بالخلق ، وطعمه ناشب فيهم . ومتى حرك بابه نهض قلبه . وقال : رزق قد جاء .